الحزن = تحطيم ُ الأشياء الجميلة
الشاعر ( جواد جميل ) حسن الـسنيد
شاعر معاصر ولد عام 1373 هـ في سوق الشيوخ بالعراق
لم يتعدّى ركنه ُ الذي شجب َ به رأس لغته ِ ففجّر الدم ّ دمعا ً في وجنتيه ِ و هطلت ْ الكلمات و المعاني معلنة ً وفاءها للحزن ِ المتاخم ِ قلبه .. لم يتعدّاه لأنهُ المحور ُ الذي مضى عليه دائما و أبدا ً .. ركنه ( الحياة )
هو الشاعر الذي لا يقبل ُ القسمة على اثنين و لا على عشرة ٍ فهو واحد ٌ يكتب ُ عن نفسهِ كما يحب دون النظر ِ للآخر تماما ً .. و تجده دائما ما يندمج ُ في كتابته ِ مع اللفظة ِ فتكون هو َ .. تُحس ُّ بألمه و تقتنع ُ بالمعاني حتى لو كانت مستحيلة كما لو أنّها ستتحقق بعد قليل ٍ ثم ما يفاجئك بهلاكها ..
الذي اكتشفته ُ البارحة و أنا مشغول ٌ بالقراءة ِ له ُ , أنه يجعل من الحزن متعة ً كمن يحطّم دمى الأطفال فتبكي , تذكرني بقصّة النبي نوح عليه السلام حين كان يبيع الفخّار فأنزل الله له ملكا ً يشتري من عنده الأواني و يحطّمها مباشرة أمامه .. حتى نفذ صبر نوح عليه السلام و قال له ُ .. ما تفعل في الخزف ِ أنا أصنعه ُ و أنت تحطّمه فقال : فكيف أنت لم تنظر إلى الله حين دعوت على عباده الذين خلقهم ..
لست في محاضرة ٍ دينية ٍ أبدا ً .. و لكن ْ أنا في مرحلة الكتابة ِ بحق ْ .. يستنفذ ُ طاقتي فعله بالكلمات الجميلة التي يعاملها بقسوة ٍ ليخبر القارئ حجم الحزن الذي يختمره ُ و هي رغبة ٌ عارمة صادقة .. و لنبدأ :يقول في ديوانه ( الحسين لغة ثانية ) قصيدته في البداية :
وَجهي ووجهُكَ شيءٌ واحدٌ ولنا***ظلُّ فَمَن أنتَ، هل أنتَ الذي قُتِلا؟
بالأمسِ أَغلَقَني يأسي، وغادرني *** لوني، فهلْ جئتَ ضوءً تفتحُ الأملا؟
تركتُ قلبيَ عندَ النهرِ نورسةً *** ظمأى تشظّى لَدَيها الماءُ واشتعلا
خطوي يطاردُ صحرائي، وقد تعبت***أشلاؤُهُ وانتهى المسرى وما وصلا
نلاحظ هنا كيف َ ( النورسة ) واجهها بالظمأ و أجبرها في الإشتعال و كيف أن الخطو الذي يطارد الصحراء يحطّمه بعدم الوصول ..
و هنا أيضا ً عندما يتحدّث في رؤاه :
أرادَ أن يقولْ
شيئاً عن الخصبِ،
فصلَّت وردةٌ.. موبوءةٌ،
واستغفرت آلهة الذبولْ!
الوردة في مقابل الصفة ِ الموبوءة رغم أن الوردة تحمل التداعيات الجميلة في تصوّر القارئ .. و هنا أيضا ً في المشاهد يقول :
في وجهِهِ يمتدُّ صمتُ السماءْ***وتنبضُ الأنجمُ في رِمشهِ
ما زالَ يسقي الغيمَ ورداً وماءْ***وتطلعُ الأغصانُ من نعشهِ!
و
وقلتَ: المرايا صحارى من الوهمِ،
فانتحرتْ في يديهِ المرايا
الصورة الجمالية التي بعث الحزن من خلالها هو خروج الأغصان من النعش ِ , و صورة الأغصان بحدّ ذاتها لها تداعيات جميلة ُ التصوّر و لكن بخروجها من النعش حطّم جمالها مثلما يحطّم أب دمية طفل ٍ فتبعث ُ على الحزن لا أكثر .. و في المقطع الآخر نجده يشبه المرايا بالصحارى في استعارة ٍ تحطّم جمال المرايا ..و أخيرا لنرى في فصل الأبعاد ( تجليات الحر ابن يزيد الرياحي ) :
فاعبري بركةَ الخطيِئةِ يا روحي***ومسّي ظلالَهُ يا أناملْ
أنا حاصرتُهُ زرعتُ الصحارى***بالمساميرِ، بالمُدى، بالسلاسلْ
أنا حاصرتُ في يديهِ السواقي***والينابيعَ، واعتصرتُ السواحلْ
كانَ يبكي فينطوي الخصبُ في***الدمعِ وأبكي معَ الذبولِ القاحلْ
أنا بعضي يحاولُ الموتَ، والآخرُ***يطوي غموضَهُ، ويحاولْ
كلَّما لمّني احتضارٌ تمزّقتُ***على خنجرِ احتضار قاتلْ!
في هذا المقطع توجد بعض الألفاظ التي تعارفنا على مولدها الجميل نراها تنقع ُ في ظل ّ مطرقة الإستعارات التي تمزّقها فمثلا ( بركة = خطيئة , زرعت الصحارى = المسامير ) ..
تحدّثت فقط عن اكتشافي البسيط الذي يتعامل معه ُ الشاعر في حزنه ِ و طريقة الكتابة المؤلمة ِ لديه .. و إلا فإن الشاعر يكتب في أكثر ِ من الحزن أيضا ً ..
و هنا بعض نصوصه لتعانقوا الجمال و اللذة َ فيه

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق